أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

136

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ اعلم أنّ في هذه الآية كلاما كثيرا لا بد من إيراده . عن قائليه ليتضح ذلك ، فأقول وباللّه العون : اختلف الناس في هذه الآية على وجوه : أحدها : أن يكون « أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ » متعلّقا بقوله : « وَلا تُؤْمِنُوا » على حذف حرف الجر ، والأصل : « ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم » فلمّا حذف حرف الجرّ جرى الخلاف المشهور بين الخليل وسيبويه في محل « أن » ، ويكون قوله : « قُلْ : إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ » جملة اعتراضية ، قال الزمخشري في تقرير هذا الوجه وبه بدأ : « ولا تؤمنوا متعلّق بقوله : « أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ » ، وما بينهما اعتراض أي : « ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأهل دينكم دون غيرهم ، أرادوا : أسرّوا تصديقكم بأنّ المسلمين قد أوتوا مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا لأشياعكم وحدهم دون المسلمين ، لئلا يزيدهم ثباتا ، ودون المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام ، أو يحاجّوكم عطف على « أَنْ يُؤْتى » . والضمير في « يُحاجُّوكُمْ » لأحد لأنه في معنى الجميع ، بمعنى : ولا تؤمنوا لغير أتباعكم ، إن المسلمين يحاجّوكم عند ربكم بالحق ، ويغالبونكم عند اللّه . فإن قلت : ما معنى الاعتراض ؟ قلت : معناه أن الهدى هدى اللّه ، من شاء أن يلطف به حتى يسلم أو يزيد ثباتا كان ذلك ، ولم ينفع كيدكم وحيلكم وزيّكم « 1 » تصديقكم عن المسلمين والكافرين ، وكذلك قوله : « قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ » يريد الهداية والتوفيق » . قلت : هذا كلام حسن لولا ما يريد بباطنه ، وعلى هذا يكون قوله « إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ » مستثنى من شيء محذوف ، تقديره : ولا تؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم لأحد من الناس إلا لأشياعكم دون غيرهم ، وتكون هذه الجملة - أعني قوله : ولا تؤمنوا إلى آخرها - من كلام الطائفة المتقدّمة ، أي : وقالت طائفة كذا ، وقالت أيضا : ولا تؤمنوا ، وتكون الجملة من قوله : « قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ » من كلام اللّه لا غير . الثاني : أنّ اللام زائدة في « لِمَنْ تَبِعَ » وهو مستثنى من أحد المتأخر ، والتقدير : ولا تصدّقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا من تبع دينكم ، فمن تبع منصوب على الاستثناء من « أَحَدٌ » ، وعلى هذا الوجه جوّز أبو البقاء في محل « أَنْ يُؤْتى » ثلاثة أوجه : الأول والثاني مذهب الخليل وسيبويه وقد تقدّما . الثالث : النصب على المفعول من أجله تقديره : مخافة أن يؤتى . وهذا الوجه الثاني لا يصحّ من جهة المعنى ولا من جهة الصناعة : أمّا المعنى فواضح ، وأمّا الصناعة فلأن فيه تقديم المستثنى على المستثنى منه وعلى عامله ، وفيه أيضا تقديم ما في صلة « أن » عليها ، وهو غير جائز . الثالث : أن يكون « أَنْ يُؤْتى » مجرورا بحرف العلة وهو اللام ، والمعلّل محذوف تقديره : لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبّرتموه ، لا لشيء آخر ، وعلى هذا يكون كلام الطائفة قد تمّ عند قوله « إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ » ، ولنوضّح هذا الوجه بما قاله الزمخشري . قال رحمه اللّه : « أو تمّ الكلام عند قوله : « إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ، على معنى : ولا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر وهو إيمانهم وجه النهار إلا لمن تبع دينكم ، إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممّن أسلموا منكم ، لأنّ رجوعهم كان أرجى عندهم من رجوع من سواهم ، ولأنّ إسلامهم كان أغيظ لهم ، وقوله : « أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ » معناه : لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ذلك ودبّرتموه لا لشيء آخر ، يعني أن ما بكم من الحسد والبغي أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم ، والدليل عليه قراءة ابن كثير : « أأن يؤتى أحد » بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ بمعنى : ألأن يؤتى أحد ؟ فإن قلت : فما معنى قوله « أَوْ يُحاجُّوكُمْ » على هذا ؟ قلت : معناه

--> ( 1 ) الزي : الهيئة من الناس .